اللاجئون السوريون في أمريكا

اللاجئون السوريون في أمريكا: الجراح النفسية المنسية


أثارت الحرب في سوريا وأزمة اللاجئين جدلًا كبيرًا في أروقة السياسة الأمريكية، مما أسفر في النهاية عن حظر السفر وتخفيض عدد اللاجئين المقبولين في الولايات المتحدة الأمريكية لهذا العام. لذا ترانا نسمع عن الوفيات المؤلمة للمدنيين في سوريا ضمن نشرات الأخبار، كما لو كانت تحدث في عالم آخر.

 

ولكن ما الذي نعرفه عن أولئك الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة قبل قرار حظر السفر؟ ما مدى تأثير التجربة المرعبة التي عايشوها للحرب والتعذيب والعيش في مخيمات اللاجئين؟ وكيف يتعاملون مع سنوات الصدمة والإجهاد التي قضوها قبل الوصول إلى الولايات المتحدة؟

 

قام فريقنا للمعالجة النفسية (STARC) في جامعة (واين ستيت- Wayne State)  بدراسة  الأثر النفسي للتجارب الصادمة على كلٍ من الأطفال السوريين اللاجئين والبالغين، ونعتقد أن النتائج التي توصلنا إليها تؤكد الحاجة إلى الاهتمام الفوري بالصحة العقلية والنفسية للمنكوبين.

تجربتهم قبل الهبوط في الولايات المتحدة الأمريكية

قبل الحرب، كانت سوريا دولة مستقرة نسبيًا. وفي فترة وجيزة وجد المدنيون السوريون أنفسهم يعيشون وسط فوضى كارثية أربكتهم جميعًا، وأصبح الحصول على الغذاء والماء والرعاية الطبية صعبًا للغاية. وما زال يعاني الناس يومًا بعد يوم.

من الصعب معرفة مَن يُقاتل مَن. وماذا تريد تلك الفرق المتناحرة من المدنيين. وكثيرًا ما يتعرض الأطفال والكبار للانفجارات والتهديد بالقتل أو الخطف، أو تشويه وتعذيب أحبائهم.

والمحظوظين منهم، ممن تمكنوا من مغادرة البلاد، انتهى بهم الحال في مخيمات اللاجئين في تركيا، أو اليونان والدول المجاورة. حيث عانوا من ظروف سيئة لبضعة سنوات، بعد أن فقدوا كل ما يملكونه في سوريا.

وعلى عكس ما قد يتصوره البعض، فإن الوصول إلى الولايات المتحدة بصفة لاجئ لم يكن سهلًا قبل حظر السفر (حيث لم يتم قبول سوى نسبة قليلة لا تتعدى 0.5% من طالبي اللجوء).

ما هو اضطراب ما بعد الصدمة؟

يحدث اضطراب ما بعد الصدمة -أو ما يُطلق عليه مصطلح (PTSD)- نتيجة للتجارب القاسية مثل الاعتداء أو الاغتصاب أو السرقة أو حوادث السيارات الخطيرة.
وتحول هذه التجارب الدماغ إلى ما يسمى (وضع البقاء)، في محاولة لتجنب إعادة الصدمة.
تشمل الأعراض: القلق الشديد،  تجنب ما يُذكر بالحدث “الصور – الأصوات – الروائح – الذكريات)، التلبد العاطفي، الكوابيس.

غالبًا ما يكون اضطراب ما بعد الصدمة مصحوبًا بالاكتئاب، وهو بحد ذاته من أكثر الحالات الطبية إضعافًا للإنسان، هل يمكنكم تصور كم يصعب بالنسبة لشخص يعاني من الأعراض المذكورة آنفًا، أن يخرج ويستكشف البيئة الجديدة، وهي أول خطوة لتجاوز الصدمة.

ماذا نعرف عن صحتهم النفسية؟

تركز إعادة توطين اللاجئين السوريين على الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة (كالسكن، الرعاية الصحية، الرعاية المادية)، ولا تمثل عادةً الصحة النفسية -والتي تتطلب معرفة ثقافية أكبر- أولوية قبل وبعد الوصول إلى الولايات المتحدة.

تولى فريقنا في (STARC) – والذي ضمّ العديد من الأطباء السوريين- التحدي المتمثل في فحص اللاجئين السوريين والعراقيين، وذلك خلال الشهر الأول من وصولهم إلى الولايات المتحدة، وبعد إجراء فحص طبي جسدي إلزامي.

النتائج التي توصلنا إليها مثيرة للقلق:

  • 1 من كل 3 أشخاص أظهرت نتائج فحصهم إصابتهم بـ PTSD (كالذي كان عند المحاربين القدماء في حرب فيتنام).

  • 50% أظهروا مستويات عالية من الاكتئاب

  • 80% من الأطفال أظهروا (اضطراب قلق الانفصال) والذي حدّ من قدرتهم على الذهاب إلى المدرسة واستكشاف عالمهم الجديد.

ماذا قدّمنا لهم؟

يزداد تعقيد وضع اللاجئين بسبب الإجهاد الناجم من الهجرة، ونقص الموارد، وصعوبة التنقل في النظام الطبي الأمريكي المعقد.

اضطراب ما بعد الصدمة قابل للعلاج، لكن تبقى نتائج العلاج أقل من المفترض بسبب قلة مقدّمي الخدمة ذوي الخبرة والذين يجيدون كلًا من الثقافة واللغة العربية. مما دفعنا إلى بذل جهود في استخدام أساليب مبتكرة لمعالجة الصدمات النفسية والتوتر لدى اللاجئين.

على الرغم من الموقف غير الوديّ للإدارة الأمريكية تجاه اللاجئين المسلمين، إلا أن ولاية ميشيغان أبدت حُسن ضيافة لهم، حيث قدمت الدعم لبعض المشاريع التي تعالج الصدمة عند اللاجئين.
وبدعم من الدولة والقليل من المؤسسات، وبالتعاو مع المجتمع، قدمنا فنّ اليوجا للأمهات، إضافة للفن والرقص، مع التركيز على علاج التوتر. وقد أظهرت هذه الممارسات بعض النتائج الإيجابية من حيث مشاركة اللاجئين في بناء المجتمع.

واحدة من أكثر التجارب التي لامست قلوبنا كانت عندما علمنا رغبة أحد الناجين من الهولوكوست التبرع ﻷبحاثنا:

كان قلبي ينكسر لهؤلاء الأشخاص، وقصصهم أعادت الذكريات إليّ، لقد كنت طفلًا لاجئًا.

الخلاصة:

تحدث الهجرة ﻷسباب سعيدة أو محزنة، وستسمر على هذا المنوال. يمكننا فعل الكثير لحماية أسر اللاجئين، وأولئك الأطفال سيكونون مواطنين أمريكيين في المستقبل. ويمكن لما قمنا به أن يضمن لهم مستقبلًا واعدًا، ويتعين علينا نحن كمواطنين توليّ المسؤولية واتخاذ قرار تغيير حياة هؤلاء قبل فوات الأوان.

المصدر:
 Syrian refugees in America: The forgotten psychological wounds of the stress of migration

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.